الغناء .. سلاح أثيوبيا الجديد في معركة سد النهضة

تقرير من بي بي سي

وصل الخلاف الدائر بين مصر وأثيوبيا بشأن مياه نهر النيل إلى نجوم موسيقى البوب في إثيوبيا، الذين علت أصواتهم بأغنيات عن ما يرونه “نصر بلادهم في المعركة” مع مصر بشأن من يمتلك الحق في مياه النهر.
وفي يونيو ، بدأت إثيوبيا بملء خزان السد الصخم الذي بنته على نهر النيل الأزرق، الذي قد تكون له أثار سلبية على الدول الأخرى الواقعة على مجرى نهر النيل.
وبعد موسم الأمطار الغزير هذا العام، امتلأ خزان سد النهضة الكبير الآن بنحو 4.9 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يكفي لتجريب العمل في أول اثنين من توربينات توليد الطاقة الكهربائية في السد.
وقد احتفل الإثيوبيون بذلك على الإنترنت مستخدمين وسم “إنه سدي” ، بيد أن ذلك لم يخفف من التوترات القائمة بشأن السد مع الدول الأخرى، إذ استؤنفت المحادثات بين إثيوبيا ومصر والسودان حول كيفية تشغيل السد وكمية المياه التي ستطلق في المستقبل.
وقد ظل مسار هذه المفاوضات متعثرا منذ بناء السد قبل نحو عقد حتى يومنا هذا.
وأطلق أشهر نجوم موسيقى البوب في إثيوبيا، تيدي أفرو، أغنية فُسرت على أنها تحذير لمصر بأن عليها أن تتعلم كيف تتشارك في مياه نهر النيل.
حملت الأغنية عنوان “ديمو لي أباي” باللغة الأمهرية وتعني بنوع من التحدي “إذا جربونا على النيل” وتنتقد الأغنية ما تسميه “الوقاحة المصرية”، وتلمح الأغنية ضمنيا إلى أن مصر ، الدولة الشمال أفريقية، لم تعد هي التي تتحكم في هذه القضية.
وقد عبرت مصر، التي تحصل على 90 في المئة من مياهها الصافية من نهر النيل، عن قلقها من أن السد سيشكل تهديدا وجوديا بالنسبة لها.
وتريد مصر التوصل إلى اتفاق يقر ما تراه حقها المشروع في الحصول على 55 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل سنويا، لكن إثيوبيا رفضت الالتزام بإطلاق كمية سنوية محددة من المياه من السد.
ويرى العديد من الإثيوبيون أن موقف القاهرة يمثل محاولة للحفاظ على اتفاقيات المرحلة الاستعمارية، التي لم تكن إثيوبيا طرفا فيها، والتي حرمتها من استخدام مواردها الطبيعية.
وتمثل أغنية أفرو مزيجا من موسيقى الريغي وأغاني المعارك الحماسية باللغة الأمهرية، اللغة الأوسع انتشار في إثيوبيا.
بيد أن أفرو حاول أيضا أن يجعل رسالته تصل إلى العالم الأوسع؛ فوضع ترجمات لكلمات الأغنية بالإنجليزية والفرنسية والعربية على صفحته على فيسبوك.
بعض عباراتها تقول: “أنا امتلك مياه النيل” و ” أظهرت لطفي وكرمي لكن صبري الآن بدأ ينفد”.
وثمة أغنية أخرى، ولكن بلهجة مواجهة أقل حدة، للمغني وكاتب الأغاني الشاب الصاعد، زربابل مُلا، حملت اسم “إثيوبيا”.
وعلى الرغم من أن الإشارة الى السد لم ترد بشكل مباشر في كلمات الأغنية، إلا أن صور بناء السد رافقت الأغنية في نسخة الفيديو التي أطلقت أواخر شهر يونيو.
وعلى أنغام بهيجة ترد في الأغنية عبارات مثل: “باتت السماء صافية الآن، ويمكن للعالم كله أن يرى” في تلميح إلى أن السد سيدفع إثيوبيا قدما في المشهد العالمي.
وتشير أخرى إلى أن زمن إثيوبيا قد حان، قائلة: “تستطيع الخيول أن تقودك إلى ساحة المعركة، لكن النصر من الأعلى (من السماء)”. وهذه تلميحات إلى ما تطمح إثيوبيا لإنجازه عندما يعمل السد الكبير بكامل طاقته، ليصبح أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهربائية في أفريقيا.
فهي تسعى إلى توليد 6000 ميغاواط من الطاقة الكهربائية عند اكتمال السد، لتجهز الكهرباء للملايين من مواطنيها الذين لا يتمتعون بإمداد مستقر ومنتظم من الطاقة الكهربائية.
وتأمل إثيوبيا أيضا في أن تلبي احتياجات الطاقة الكهربائية لاقتصادها، الذي يعد الأسرع نموا في عموم القارة الأفريقية.
ويبدو هذا الشعور بتحقيق إنجاز غالبا في العديد من الأغاني الفردية التي أطلقت مؤخرا.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، تعلن أغنية “يا تيتبيت كال” التي تعني بالأمهرية “النيل: كلمة النبوة” لميكادس أبيبي وتاديسي ميكاتي أباي عن “بدء يوم جديد” وتدعو الناس إلى التبرع من أجل إكمال بناء السد.
وبات العديد من هذه الأغاني شائعا ومفضلا في محطات الراديو في العاصمة، أديس أبابا، ويبث في أوقات منتظمة.

وقد حققت أغنية أفرو ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وشاهدها ما يقرب من مليون على موقع يوتيوب خلال 24 ساعة بعد إطلاقها، على الرغم من أنه لم يكن هناك فيديو رسمي للأغنية.
ويبدو أن هذه الإثارة والتحفيز قد نجحا في تشجيع الناس فعليا على زيادة تبرعاتهم ودعمهم المالي لبناء السد. إذ تشير الإحصاءات الحكومية إلى أنه قد جُمع من الناس مبلغ 116 مليون بير (3.2 مليون دولار)، وهو أكثر بكثير من الأشهر الماضية.
وتمول إثيوبيا مبلغ الـ 4 مليارات دولار لبناء السد عبر التبرعات وبيع السندات الحكومية.
ولا شك في أن الحكومة فرحة لمساهمة هؤلاء الموسيقيين، الذين لم يعرف عنهم في العادة إبداء وجهات نظر مؤيدة للحكومة، في هذه الحماسة الوطنية.
وسبق للموسيقيين المساعدة في تحشيد الدعم للمشروع وبشكل خاص في مراحله الأولية.
ومع سعي أثيوبيا لإنجاز كامل طاقة السد التشغيلية خلال السنوات الثلاث المقبلة وتواصل المفاوضات، يُمكنك توقع تردد الكثير من هذه المساهمات التي تمجد زهو إثيوبيا بسدها الكبير وتتطلع إلى نهضة البلاد على موجات الأثير.

تعليقات فيسبوك