طلحة جبريل: الطيب صالح بين الشيوعيين والإسلاميين

الطيب صالح بين الشيوعيين والإسلاميين
  • بقلم طلحة جبريل
  • نشر هذا المقال في مجلد” في تذكّر المريود الطيب صالح ” الذي صدر في يونيو 2009
كنت أظن أنني أحتاج إلى الكثير من الوقت، حتى تتوارى صورة بقيت في ذاكرتي منذ ذلك الصباح. صورة رجل ملفوف بعلم وطنه يصلي عليه الناس في الصباح الباكر في “مقابر البكري” في أمدرمان.
كانت رحلة ثرة تلك التي بدأت في نهار قائظ من صيف بعيد في قرية “كرمكول” وانتهت ذات صباح في “مقابر البكري”.
كنت أريد فترة زمنية لأحدد ماذا أكتب وكيف سأكتب ومن أين أبدأ، وأيضا حتى لا تختلط المشاعر الشخصية مع الوقائع.
يعتقد الناس دائما أن الصحافي يجب أن يكون راويا لا يعتمد على الذاكرة بل على الوقائع موثقة ومسجلة ومكتوبة. بل ينتظرون منه أن يكون في بعض الأحيان شاهدا وليس راويا. وهم محقون في كل ذلك. ثم أنني وجدت ما كتبته في لحظات صعبة ومريرة ومحزنة، يكفي ويفي بالغرض، خاصة أن الأمر لا يجوز له أن ينزلق من “رثاء” إلى “سجال”.
كما أنني اعتقدت أنه من الأفضل الابتعاد لبعض الوقت عما يجري لنا ويجري حولنا، وليس فقط الحديث عن الرجل الذي تمت مواراته الثرى في “مقابر البكري”، بل لعلني وجدت أنه من الأفضل البقاء خلف حواجز وتفادي القفز عليها اعتبار لكبرياء وطن وولاء مواطن.
وفي ظني أن البقاء خلف هذه الحواجز يجد تبريره في أن المزاج العام ساخن حتى لا أقول منفلتاً.
اعتقدت دائما أن الصحافي لا بد من أن يقف دون تردد أو تلعثم بين فترة وأخرى ليجعل صوته مسموعا ومفهوما ثم ليكن بعدها ما يكون، لكن بشرط أن يصل هذا الصوت.
أعود الآن لما أريد الحديث عنه، أي علاقة الطيب صالح مع “الشيوعيين” من جهة و”الإسلاميين” من جهة أخرى، ويجب عليّ القول أن صديقا عزيزاً تحدث معي عن هذا الموضوع، وكان من رأيه أن أكتب عما أعرف، ووجدت أن حديثه لا يعوزه المنطق. لذلك ودون ادعاء سألت نفسي إذا لم أكتب أنا فمن؟ وإذا لم أتكلم الآن فمتى؟
قرأت كتابات تقول إن الطيب صالح ينتمي “للإسلاميين” منذ أن كان طالبا في كلية الخرطوم الجامعية، وقرأت إنه كان أحد مؤسسي هذا التنظيم، كما قرأت من يقول عكس ذلك، بل هناك من قال إنه حدث له تحول فكري وأصبح أقرب إلى الشيوعيين عندما سافر إلى لندن. وقرأت اجتهادات كثيرة. وبدا لي الكثير مما يلقي على الناس هذه الأيام مجافيا لما سمعته من الرجل ونشرته والطيب، رحمه الله ، يمشي بيننا، وقبل أن يوارى . يبدو لي أن كثيرين ممن كتبوا استندوا إلى أقوال سماعية من أحاديث الناس التي تقال في المجالس. هكذا يبدو أنه لم يكن هناك من قرأ وإنما كان هناك من سمع.
الآن أقول جازما إن الطيب صالح لم يكن شيوعيا كما لم يكن إسلامياً، بل لم ينتم إلى أي حزب على الإطلاق. أقول ذلك لأنني سمعت منه ذلك في أكثر من مناسبة وأكثر من مكان، وأقول ذلك وهذا هو الأهم، استناداً الى ثلاث وثائق مكتوبة وموجودة ومنشورة.
الوثيقة الأولى هي الكتاب الذي كتبته حول سيرته الذاتية بعنوان “على الدرب مع الطيب صالح”، وصدر هذا الكتاب عن شركة توب للاستثمار والخدمات في الرباط ولندن، كما صدرت منه نسخة مشوهة للأسف عن “مركز الدراسات السودانية” عندما كان المركز في القاهرة.
هذا الكتاب اطلع عليه الطيب صالح وقرأه كلمة كلمة وسطر سطر وفصل فصل، وحذف منه بعض المقاطع وكان في رأيه أن تنشر بعد رحيله، ومازلت أحتفظ بالنسخة الأصلية للكتاب حيث كتب الطيب صالح وامام المقاطع التي لم يكن يريدها وبخط يده “أرجو حذفها” وهي نسخة تسلمتها منه في فبراير 1995 بعد أن بقيت معه طويلا، وفي آخر المخطوط كتب بخط يده أيضا “ياطلحة أتمنى عليك ان تحذف المقاطع التي أشرت لها، أما إذا أردت نشرها ليكن، لكن بعد أن أتوكل على الله”. نشر الكتاب عام 1997، وبعد نشره أشار الطيب صالح على كثير من الباحثين وفيهم أجانب بقراءته إذا أرادوا أن يلموا ببعض سيرته الذاتية.
الوثيقة الثانية حوار طويل نشر على ثلاث حلقات في صحيفة “الشرق الأوسط” بعنوان “الطيب صالح كما لم يتحدث من قبل” ونشرت الحلقة الاولى منه في 13 أكتوبر عام 1983.
الوثيقة الثالثة حوار أجريته معه في صيف عام 2004، ونشرت أجزاء منه، وتناول انطباعاته حول أول زيارة يقوم بها للسودان بعد سنوات طويلة، الحديث مسجلاً بصوته وتوجد منه عدة نسخ.
من هذه الوثائق الثلاث أنقل كلام الطيب صالح عن الشيوعيين والإسلاميين، حرفاً حرفاً وكلمة كلمة وجملة جملة، قال الطيب صالح رحمه الله:
*منذ المرحلة الثانوية ابتعدت عن التحزب رغم أن ذلك لم يكن في تلك الفترة أمراً سهلاً.
*عندما كنا ندرس في مدرسة وادي سيدنا الثانوية كان الصراع على أشده بين الشيوعيين والإسلاميين، كنت آنذاك أقوم بأداء الفرائض وأحافظ على الدين لكنني لست متدينا بالمعنى السياسي والإديولوجي للكلمة.
* كان صديقي محمود أحمد محمود وهو من كورتي ينضم مرة للشيوعيين وتارة للإسلاميين في إطار حب الاستطلاع فقط.. وكان كثيراً ما يحدثني عن أفكار المجموعتين ورغم ذلك لم أنضم إلى أية جهة خلال دراستي الثانوية، إذ وقفت على الحياد.
*حين انتقلت إلى الجامعة دأبت على التسامر مع مجموعة كانت تضم محمود أحمد محمود ومحمد خير عبد القادر ويوسف حسن سعيد وفتح الرحمن البشير والرشيد الطاهر بكر ومحمد يوسف محمد والذي كان في تفكيره أقرب إلى الإسلاميين وانضم إليهم بالفعل في وقت لاحق، لأنه في تلك الفترة لم يكن لهم تنظيم في الجامعة، كانت هذه المجموعة تلتقي بعد المحاضرات خاصة في الأمسيات، وكنا نفترش الأرض في ميادين الجامعة نتفاكر حول أشياء عديدة نتبادل الرؤى والأفكار، وبعد فترة لم أعد أجالسهم فقد تركتهم ومضيت إلى حال سبيلي.
*الدكتور حسن الترابي أصلحه الله جاء ليقول نريد إعادة صياغة الإنسان السوداني، السودان فيه حضارة عمرها على الأقل خمسة آلاف سنة، كيف تريد صياغة هؤلاء الناس الذين هم نتاج لهذه الحضارة.
*السودان بلد غير عادي لكن جماعة مثل الدكتور حسن الترابي جاءوا وقالوا نجعل السودان منطلقا لخلافة إسلامية. الخلافة الإسلامية، لم يستطع الأمويون والعباسيون إقامتها هل يعقل أن نقوم نحن بذلك.
*بالنسبة لعلاقتي مع الشيوعيين، أتذكر واقعة حدثت لي إبان دراستي في المدرسة الثانوية، فقد كان المرحوم إبراهيم عبد الله زكريا ابن خالي وهو شيوعي، بل سيصبح لاحقا من قادة الحزب الشيوعي السوداني ومن أقطاب الحركة الشيوعية العالمية، كنت أزور إبراهيم زكريا بحكم صلة القرابة ويبدو أن المخابرات الانجليزية كانت تراقب نشاطه، في تلك الفترة، جاءنا مدرس رياضيات يدعى مستر سميث وكان شيوعيا، وفي أحد الأيام كان مطلوبا مني تقديمه لإلقاء محاضرة في الداخلية (داخلية المدرسة) ويبدو أنني أطنبت في مدحه، فاستدعاني مستر لانغ ناظر المدرسة وكان معجبا بي، وسألني بأدب شديد حول ما إذا كنت مقتنعا بالكلام الذي وصفت به مستر سميث، واستغربت في الواقع من السؤال، وأبلغني أن مستر سميث شيوعي وقال لي إن المخابرات طلبت منه استفساري بشأن ما إذا كنت شيوعيا؟ تعجبت جدا لهذه الحكاية، وبالطبع نفيت أن أكون شيوعيا.
*كنت معجبا جدا بعبد الخالق محجوب كسوداني نابغة، وبفاطمة أحمد إبراهيم كإنسانة لكنني لم أكن شيوعيا في يوم من الأيام.
*نميري أعدم أربعة من أهم الشخصيات السودانية، أعدم عبد الخالق وكان من أذكى السودانيين، وأعدم محمود محمد طه وهو من أكثر السودانيين ورعا، وأعدم فاروق عثمان حمد الله وهو من أشجع السودانيين، وأعدم بابكر النور أكثر السودانيين تسامحا.
*بعد الاطلاع على..الحياة السياسية في إنجلترا وجدت نفسي أميل للاشتراكية العمالية وقرأت الكثير عن الفابيين.
*لعلني فعلت خيراً في عدم الانضمام إلى أي حزب، إذ أنني أؤمن أن دوري ليس دور من ينضم إلى تنظيمات سياسية ويعمل من خلالها.
*أنا أحب السودان حبا شديداً وولائي كما أقول دائماً للأمة في صيرورتها.
هذه هي حقيقة “شيوعية وإسلامية” الطيب صالح كما تحدث عنها بنفسه. ولا أزيد.
***********************************************
نشر هذا المقال في مجلد” في تذكّر المريود الطيب صالح ” الذي صدر في يونيو 2009
استارلينك