حوار خاص لـ “اوبن سودان” مع السفير البريطاني في السودان عن الملكة الراحلة ومستقبل الملكية

التقى محررو موقع “اوبن سودان” السفير البريطاني في السودان السيد “جايلز ليفر” بمقر إقامته في الخرطوم. وجرت هذه المقابلة الصحفية في ظل فترة الحداد التي تعيشها بلاده بعد وفاة الملكة “إليزابيث الثانية”.

وخلال فترة الحداد يمتنع الدبلوماسيون البريطانيون حول العالم عن الإدلاء بالتصريحات السياسية عموما، لذلك لم تتطرق هذه المقابلة للشؤون السياسية الحالية، وخصصت بالكامل للحديث عن الملكة الراحلة، والملك الجديد، ومستقبل الملكية في بريطانيا. حكاية الأمير يونس ود الدكيم؟ لقد سألنا السفير عنها بالطبع، وستجدون إجابته في ثنايا الحوار!


  • أجرى المقابلة : حسام كرنديس ووائل جمال الدين

 

– مرحبا بك سعادة السفير في هذه المقابلة مع موقع “اوبن سودان” .. لاحظنا انك قليل الظهور اعلاميا خلال الفترة الماضية منذ توليك المنصب في الخرطوم!

 

– مرحبا بكم.  خلال الفترة الماضية كنت أحاول التقليل من التواصل والظهور الإعلامي؛ لأن التغيرات السياسية الجارية في السودان كثيرة، وإذا أصبحت السفارة البريطانية تعلق على كل هذه التطورات، فسيكون الأمر متمحورا حول تعليقات السفارة البريطانية، بينما نعتبر أن القضية الأساسية هي القضايا السياسية التي تحدث الآن في السودان وليس تعليقات السفارة البريطانية.

 

– تدور محاور المقابلة في معظمها عن الملكة الراحلة إليزابيث الثانية التي رحلت عن عالمنا مؤخرا. فهل تحدِثنا عن حدث رحيل الملكة؟

 

– المملكة المتحدة والدول الأربعة عشر الأخرى التي كانت تشغل فيها الملكة الراحلة منصب رئيس الدولة مرت بفقد عميق جدا  لجلالة الملكة، الملكة امتدت فترة حكمها لسبعين عاما، واحتفلنا بيوبيلها البلاتيني هذا العام، ولم يسبق في التاريخ البريطاني ان قام أحد من الملوك باعتلاء العرش لهذه الفترة الطويلة.

لقد كانت الملكة لمعظم الناس في المملكة المتحدة هي الملكة الوحيدة التي عرفوها خلال فترة حياتهم، وبينما تغيرت الكثير من الأمور الأخرى في المملكة المتحدة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، فقد ظلت الملكة هي الشيء الثابت. كانت هي النقطة المحورية الثابتة في الحياة العامة.

 

 – كيف يمكن للبريطانيين تقبّل غياب الملكة، وهل يمكنهم التعايش مع فكرة الملكية في غياب الملكة؟

 

– لدينا الآن ملك جديد بعد رحيل الملكة هو أمير ويلز السابق والملك حاليا، الملك تشارلز الثالث. وهذا الأسبوع اجتمع مجلس اعتلاء العرش الذي صدق على اعتلاء الملك الجديد للعرش، كملك للملكة المتحدة والدول ال14 الأخرى. وبالطبع لأن الملكة حكمت لفترة طويلة فإن الناس يربطون بين الملكية والملكة، لكن من المهم أن نتذكر أن النظام الملكي في بريطانيا واحد من أقدم المؤسسات تاريخيا، لأكثر من ألف سنة، وهو نظام أثبت قوته على مر السنوات.

 

 – ما مدى تأثر مجموعة دول الكومنولث برحيل الملكة؟

 

– كانت الملكة هي رئيسة الكومنولث، وهذا المنصب  كما هو معلوم لا يورّث. وعلى أي حال في عام 2018 وافق رؤساء حكومات الكومنولث بالإجماع على أن يصبح الأمير “حينها” تشارلز رئيسا لدول الكومنولث بعد وفاة الملكة، وبناء على ذلك تم الاعتراف به الآن رئيسا لدول الكومنولث.

 

 – وما المستقبل المتوقع لمجموعة دول الكومنولث؟ هل قد تتخلى بعض الدول عن هذا الاتحاد في أعقاب رحيل الملكة؟

 

– أعتقد أن مجموعة الكومنولث هي اتحاد قوي جدا، وعندما تحدث الأمير تشارلز في اجتماع قادة الكومنولث هذا العام في رواندا قال ان أي دولة في الكومنولث حرة في اختيار مصيرها إن كانت تريد أن تصبح جمهورية أو ملكية. ومعظم دول الكومنولث هي في الواقع جمهوريات لا يعتبر الملك الإنجليزي رئيسا لها، وليس لها ملك أو ملكة آخرون. وقال الأمير تشارلز أن للدول مطلق الحرية في اختيار مصيرها بشكل ودي ودون حساسية.

وأريد أن أضيف أنه خلال السنوات العشر الماضية أصبحت مجموعة الكومنولث أكثر قوة، والتحقت بها دول لم تكن في الماضي جزءا من المستعمرات البريطانية، مثل موزمبيق. وفي الواقع فإن القيم التي تربط دول الكومنولث التي ترتكز على الديمقراطية وسيادة القانون والحكم الرشيد، هذه القيم أصبحت مرغوبة في العالم.  وبغض النظر عن المشاكل التي تواجه الكومنلوث لكنها كمؤسسة تمضي بثبات وقوة، وهو ما تؤشر إليه رغبة الكثير من الدول في الانضمام لهذه المجموعة.

 

–  ما هي أبرز المشاكل التي من المتوقع أن تواجه الملك الجديد تشارلز الثالث، خصوصا أنه تولى الملك بعد رحيل الملكة صاحبة الشخصية البارزة؟

 

– أعتقد أن الملك تشارلز الثالث معروف جيدا للبريطانيين خصوصا أنه تجاوز السبعين من عمره، وظل وليا للعهد لمعظم حياته. وخلال فترة خدمته في الحياة العامة كان بطلا كبيرا لقضايا مهمة أبرزها مؤسسته الخيرية التي تهتم برعاية اليافعين، والتي ساعدت مئات الآلاف في العمل والعودة للدراسة وتغيير حياتهم.

وكان أيضا بطلا في الدفاع عن قضية المناخ وحماية البيئة،  وكان قد تحدث عن قضية إعادة تدوير البلاستيك في خطاب له في 1970، حينما لم تكن قضية البيئة بارزة كما هي اليوم. والأمير تشارلز ارتبط اسمه أيضا بحماية الآثار التاريخية، خصوصا المباني التاريخية في المملكة المتحدة.

وأعتقد أن الوقت مبكر جدا للحديث عن ما سيفعله الملك تشارلز الثالث، صحيح أنه ملك المملكة المتحدة، لكنه أيضا إنسان، وقد فقد للتو والدته “الملكة”، ولكن من الأشياء التي ذكرها أنه تلهمه والدته، وسيحاول أن يحذو حذوها لخدمة الشعب البريطاني بنفس التفاني والالتزام والمحبة التي أبدتها والدته الملكة الراحلة.

 

– هل تعتقد أن الأمير هاري وزوجته ميغان الذان اختارا التخلي عن واجباتهما الملكية والاستقرار في أمريكا قد يعودان للملكة المتحدة بعد تولي والد هاري الملك تشارلز الثالث للحكم، للقيام بأدوارهما الملكية من جديد؟

 

–  لا أعتقد أن الوقت مناسب للتعليق حول الاختيارات الشخصية لأشخاص معينين في الأسرة المالكة، خصوصا أنها فترة حداد، لكن عموما يمكنني ان أقول إن المؤسسة البريطانية هي مؤسسة قوية استطاعت الصمود في وجه الصعوبات في السابق، وتتمتع بدعم كبير وقاعدة شعبية واسعة، ونجحت في ان تتطور وتتكيف وتواكب التغييرات الكثيرة التي طرأت على المملكة المتحدة وعلى العالم.

 

–  حدثنا عن زيارة الملكة الراحلة للسودان عام 1965؟

 

– لقد تأثرت كثيرا بالرسائل العديدة التي وردت إلى السفارة بعد وفاة الملكة من سودانيين من مختلف المناطق يتذكرون زيارة الملكة وأناس كثيرون أرسلوا لي صورا وأفلاماً وذكريات حول زيارة الملكة.

وخلال السنة الماضية كان هناك سباق للخيول في السودان تكريما لذكرى زيارة الملكة للسودان. وقد كتبت الملكة إليزابيث الثانية خطابا شخصيا لمنظمي السباق تشكرهم، وتقول إنها لا تزال تتذكر جيدا زيارتها للسودان عام 1965، وتحتفظ بذكريات جميلة عن السودان.

واعتقد ان الزيارة كانت لمحة عاطفية للتواصل القوي بين الشعبين البريطاني والسوداني.

 

 – بعد وفاة الملكة ظهرت بعض الشائعات الطريفة التي تم تداولها بكثافة بين السودانيين في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل مزاعم الأصول العربية للملكة الراحلة،  وقصة عرض الخليفة عبد الله التعايشي زواج الأمير يونس ود الدكيم من الملكة فكتوريا.. هل قرأتم مثل هذه الشائعات وما تعليقكم عليها؟

 

– عندما يتعلق الأمر بالعائلة الملكية البريطانية والتي هي واحدة من أشهر العائلات في العالم، فبالتأكيد فإن تأريخ العائلة المالكة تم توثيقه وكتابته بدقة وبالتفصيل. ولهذا يمكننا التأكيد على أن هذه الشائعات غير حقيقية بالطبع.

 

السفير جايلز ليفر
* السفير جايلز ليفر

 

 – سعادة السفير، هل لديك ذكريات شخصية مع الملكة الراحلة إليزابيث الثانية؟ هل قابلتها؟

 

– للأسف لم أحظ بشرف مقابلة الملكة. وكسفراء في العادة نحن نقابل الملكة في مرحلة من المراحل وفقا للبروتوكول. لكن لبعض الترتيبات لم أتمكن من مقابلتها عندما تم تعييني كسفير للملكة المتحدة في فيتنام، وبعد عام من عملي تم ترتيب مقابلة لي مع الملكة وعدت للملكة المتحدة لمقابلتها، لكن حدثت زيارة مفاجئة لرئيس الوزراء البريطاني في تلك الفترة ديفيد كاميرون إلى جنوب شرق آسيا، وكان من ضمن جولته زيارة فيتنام، فتعيّن علي للعودة إلى هناك لترتيب زيارة رئيس الوزراء، ولسؤ الحظ لم أتمكن من مقابلة الملكة.

لكنني حظيت بمقابلة عدد من أعضاء الأسرة المالكة منهم الملك الحالي الذي التقيت به في مؤتمر لوزارة الخارجية البريطانية، كما التقيت أيضا الأمير ويليام الذي أصبح الآن أمير ويلز عندما أتى لزيارة فيتنام للتحدث عن حماية الحيوانات البرية المعرضة للانقراض.

كل الذين التقوا بالملكة تقريبا قالوا نفس الشيء عنها وهو أنها تجعل الشخص الذي يقابلها يشعر بالارتياح ويتحدث على طبيعته. بالطبع كل من يلتقي بالملكة للمرة الأولى يشعر بالتوتر، لكنها كانت ذات مهارة عالية في امتصاص ذلك التوتر وجعل مقابليها يشعرون بالأريحية.

والجدير بالذكر أنه خلال حفل تنصيب الملكة عام 1953 تمت دعوة وفد سوداني حضروا حفل التتويج، وهم 3 من زعماء القبائل أحدهم كان سلطان المساليت.

 

–  سعادة السفير بعد أن أصبحت سفيرا في الخرطوم.. ما هي انطباعاتك عن السودان؟

 

– عندما أتيت إلى السودان كانت هذه أول زيارة لي، وعندما كنت أدرس اللغة العربية قبل ان آتي للخرطوم كان هناك عدد من الأستاذة من دول عربية مختلفة، وكانوا هم من أعطوني فكرة عن السودانيين، وقالوا لي إنهم شعب رائع ولطيف، وهذا ما شعرت به بعد أن أتيت للسودان وخصوصا عندما سافرت خارج الخرطوم، ودائما ما يقابلني السودانيون بتعامل لطيف.

العلاقة التاريخية بين السودان وبريطانيا جيدة للغاية، وفي العديد من الدول قد تكون هناك حساسيات بشأن القضايا التاريخية لكنني لمن أشعر بذلك في السودان.

(نهاية المقابلة)




 

 

 

.

 

 

 

 

تعليقات فيسبوك

Don`t copy text!