مع وداع اليوناميد في دارفور : ذكريات وأمل متجدد

“نقلاً عن موقع أخبار الأمم المتحدة”

– قبل اندلاع الحرب عام 2003، كان إقليم دارفور من بين المناطق الأكثر ازدهارا واستقرارا في السودان. ولم يكن أحد من سكان الإقليم يتصور ما سيأتي لاحقا من دمار حول جزءا كبيرا من المنطقة إلى خراب وجعل اسمها مادة شبه يومية في نشرات الأخبار الرئيسية.
ومع انتهاء ولاية البعثة المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) في الحادي والثلاثين من  ديسمبر 2020، يسترجع الزميل عبد المنعم مكي من قسم اللغة العربية بأخبار الأمم المتحدة، الذي ولد وترعرع في دارفور، ذكريات صباه في الإقليم، وكيف غيرت الحرب وجه الحياة الجميلة إلى بؤس لا يطاق، ومساهمة بعثة يوناميد في بث الطمأنينة في نفوس من روعتهم الحرب الطويلة.

أخبار الأمم المتحدة: عبد المنعم مكي، أنت زميل وصديق من قسم أخبار الأمم المتحدة. أنت أيضا من إقليم دارفور الواقع غرب السودان الذي يودع حاليا البعثة الأممية الأفريقية المختلطة (يوناميد) بعد مرور أكثر من عشر سنوات على نشرها هناك.
نحن الآن لسنا بصدد الحديث عن يوناميد، ولكن نستضيفك اليوم للحديث عن تجربتك، عن حياة مواطن من هذا الإقليم تأثر بالأحداث التي عصفت بمكان نشأته وسكنه فأفقدته الغالي والرخيص.
لنبدأ من طفولتك. كيف تصف الحياة في دارفور في هذه المرحلة؟

عبد المنعم مكي: شكرا عزيزتي مي على الاستضافة. الحياة في دارفور كانت أقل ما توصف بأنها رائعة يعمها السلام والاستقرار.
أنا نشأت طفلا سعيدا في عائلة كبيرة مكونة من ثلاثين أخا وأختا. الحياة كانت سهلة وجميلة ولم يكن الناس يعانون من شظف العيش كما يحدث الآن. كان هـَم الناس الأول والأخير هو الإنتاج.
ولم يكن أحد ليتصور أن تؤول الأحوال إلى ما آلت إليه اليوم. طبعا هذا لا يعني أنه لم تكن هناك مشاكل، أبدا. كانت هناك بعض المشاكل المتمثلة في النزاعات بين المزارعين والرعاة وخاصة في موسم الخريف وكذلك مشاكل نهب الممتلكات والماشية التي كانت تحدث بين الفينة والأخرى.
ولكن كل هذه المشاكل كان يتم احتواؤها سريعا قبل أن تتطور. كان هناك نظام محلي للإدارة، وهو قائم إلى الآن، يسمى بالإدارة الأهلية وهو نظام فريد موجود في دارفور منذ مئات السنين، مستمد من الأعراف والتقاليد المحلية.
أنا والدي، رحمه الله، كان العمدة، عمدة المنطقة والقاضي أيضا. لقد كان رجلا حكيما يتمتع بطريقة ساحرة في حل المشكلات. وبالتالي فإن نظام الإدارة الأهلية في دارفور كان عاملا أساسيا في الاستقرار الذي شهده الإقليم لمئات السنين.
هل تعلمين أن دارفور كانت سلطنة قائمة بذاتها لها سلاطينها وحدودها ونظامها الإداري. وقد انتهت هذه السلطنة بمقتل السلطان علي دينار، آخرِ سلاطين دارفور على يد المستعمر الإنجليزي في سنة 1916.
قريتي “الملم” طبعا معروفة بأنها مسقط رأس السلطان علي دينار. فبعد وفاة الأمير زكريا والد السلطان علي دينار، تزوج جدي الشيخ مكي جبريل من والدة السلطان علي دينار، وقام برعاية السلطان في صغره وتربيته حتى كبر وصار سلطانا علي دارفور. ولا تزال آثار قصر السلطان موجودة إلى اليوم في قريتنا الملم.

أخبار الأمم المتحدة: في مرحلة ما من حياتك انتقلت مع أختك إلى الخرطوم لتكمل تعليمك الثانوي. ولكنك عدت إلى دارفور. كنتَ هناك في فترة 2002- 2003 إبان اندلاع النزاع. ما الذي تتذكره من هذه الحقبة الزمنية؟

عبد المنعم مكي: نعم أود بهذه المناسبة أن أرسل تحية خاصة لأختي الدكتورة وداد إبراهيم مكي وأقول لها إنني مدين لها بالكثير من الفضل هي وزوجها الأستاذ أحمد زكريا فقد ساعداني كثيرا. حتى أتمكن من إكمال تعليمي.
تحفل ذاكرتي بالكثير من المشاهد والأحداث التي عاصرتها في دارفور.
بداية الحرب في دارفور كانت فترة قاسية عشناها في الإقليم. فترة كان عنوانها الخوف والموت والدمار. ولم يكن أحد بمأمن من نيران البنادق. كان الناس على استعداد دائم إما للقتال أو الهروب.
أنا أتذكر كل التفاصيل جيدا منذ اللحظات الأولى لاندلاع الصراع. كنا نتابع بخوف كبير الحشود العسكرية من أطراف الصراع. أتذكر أن المدارس توقفت لفترات طويلة، فقد الناس مواشيهم ومصادر دخلهم وهرب الكثيرون منهم إلى مخيمات النزوح. لقد تعكر المزاج العام للناس وساد اليأس وعدم اليقين.
على سبيل المثال، منطقة الملم هذه كان بها أكبر سوق أسبوعي للماشية في دارفور. استمر هذا السوق لعشرات السنوات وكان الناس يجتمعون فيه كل يوم سبت بغرض التجارة ولقاء الأحباب والأهل. لقد كان محفلا يجسد التلاحم بين الناس. الرعاة، المزارعون والتجار. بمجرد اندلاع الحرب تفرق كل شيء. ما حدث لسوق الملم يجسد الحالة في دارفور بأكملها. إنه تعبير رمزي لحالة الفراق التي حدثت للناس بعد أن كانوا مجتمعين.

أخبار الأمم المتحدة: كان لهذا النزاع آثارٌ مباشرة على حياتك الشخصية. أخبرنا عنها أكثر؟

عبد المنعم مكي: نعم، قتل الكثيرون من أهلي واختفى آخرون منهم بدون أي أثر. قتل عمي مع مجموعة من رجال القرية خلال هجوم شنته حركات مسلحة على قرية الملم. كان أبناء عمي في مدينة نيالا، التي تبعد عن الملم بنحو 300 كيلو متر، عندما سمعوا بخبر مقتل والدهم فقرروا المجيء إلى القرية لأداء واجب العزاء. استأجروا سيارة مع مجموعة من رجال القرية الآخرين. ولكن في الطريق اعترضتهم جماعة مسلحة واقتادتهم إلى مكان مجهول ولا نعلم عنهم أي شيء منذ عام 2003. هناك احتمال كبير بأنهم قتلوا بعد اختطافهم.
أيضا اُختطفت عمتي التي كانت ترعى ببقرها. جاء مسلحون وأرادوا أخذ ماشيتها ولكنها رفضت أن تترك ماشيتها فأخذوها معهم. في الغالب أنها قتلت أيضا.

أخبار الأمم المتحدة: لكن لماذا اختارت عمتك أن تبقى مع ماشيتها؟

عبد المنعم مكي: الماشية بالنسبة للناس في دارفور تعني الحياة. فبالإضافة إلى ما توفره من مصدر للغذاء والدخل تمثل أيضا جزءا من ثقافتهم وتراثهم. عمتي كانت فخورة بما تمتلكه من أبقار وأعتقد أنها كانت مرتبطة روحيا بهم. ولذلك قررت عدم التخلي عن أبقارها. نحزن كثيرا عندما نفكر فيمن اختفوا دون أن يكون هناك أي أمل في عودتهم. ولكن هذه هي الحرب لا تجلب سوى الدمار والحزن.

مدرسة الملم الغربية
مدرسة الملم الغربية

أخبار الأمم المتحدة: نحن نتكلم الآن عن القرية التي نشأت فيها، أي قرية والدك. ولكن هل القرى الأخرى تضررت بشكل أقل من هذا النزاع؟ ماذا عن قرية والدتك مثلا؟ هل عانت من نفس حجم المشاكل؟

عبد المنعم مكي: نعم، قرية الملم كانت بمثابة المركز الحضري. وهي تعتبر بمثابة العاصمة للقرى المحيطة لأن بها مدارس ومستشفيات. تسمى الملم-كيلا لأن كلا القريتين الملم وكيلا هما امتداد لبعضهما البعض، أي يمكن أن نسميهما بالقريتين التوأم لأن الناس فيهما هم امتداد لبعضهما البعض. وقرية كيلا كانت هي المنشأ لقرية الملم. كل القرى الأخرى المحيطة بالملم تأثرت بالحرب سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. نزح غالبية سكان هذه القرى إلى مخيمات النزوح. بدأ بعضهم في العودة إلى هذه القرى ولكن لا يزال بعضهم في المخيمات.
أهل والدتي هم من قرية كيلا، وكيلا هذه تعد واحدة من أكثر القرى تضررا من النزاع في دارفور لأنها شهدت مذبحة ارتكبتها المليشيات الموالية للحكومة عام 2003.
ذات يوم هاجمتها كتائب المليشيات وقد صمد أهلها كثيرا في الدفاع عن أنفسهم ولكن نسبة للفارق الكبير في العتاد بين المهاجمين وأهل القرية، لم يقو أهل القرية على الصمود أكثر من يوم واحد بعد نفاد مخزونهم من السلاح، بعدها تمكنت المليشيات من دخول القرية وقتل عدد كبير من الرجال يقارب 40 شخصا، لأنهم رفضوا الاستسلام وفضلوا الموت دفاعا عن أنفسهم. الكثيرون من الضحايا كانوا من أهلي. لقد كانت صدمة قوية بالنسبة لنا. لا يمكنني أن أنسى ذلك أبدا.

أخبار الأمم المتحدة: عبد المنعم من تبقى لك من أفراد العائلة؟

عبد المنعم مكي: عائلتي كما ذكرت لك كبيرة والحمدالله. وغالبيتهم في دارفور والعاصمة الخرطوم. والدتي وغالبية إخواني يعيشون أيضا في مدينة نيالا في دارفور. أما أختي التي نشأت معها فهي تعيش مع زوجها وأطفالها في العاصمة الخرطوم.
أختي وداد مكي لها الفضل الكبير في مساعدتي منذ أن كنت صغيرا وقد أعانتني كثيرا حتى أكمل تعليمي. أنا مدين لها بالكثير. أخي مكي الذي يكبرني مباشرة يعيش هنا في ولاية تكساس في الولايات المتحدة مع أسرته.

أخبار الأمم المتحدة: الآن ونحن نشهد على انتهاء ولاية بعثة يوناميد، هل تشعر بأن الوضع أصبح أفضل في الإقليم؟

عبد المنعم مكي: أعتقد أن الوضع تحسن كثيرا مقارنة ببدايات الصراع الأولى. على الأقل توقفت المعارك الكبيرة بين الحكومة والحركات المسلحة. وتوقف أيضا قصف القرى بالطيران والهجمات المنظمة على قرى المدنيين.
المدنيون لا يزالون يعانون من هجمات متفرقة تشنها المليشيات على المزارعين ومن عادوا إلى قراهم التي هجروها ولكن بدرجة أقل. المعاناة الآن تتمثل بشكل أساسي في التداعيات التي خلفتها الحرب الطويلة. الناس وخاصة النازحين يعانون في سبيل الحصول على لقمة العيش.
دارفور منطقة غنية بإنسانها ومواردها، وإنسانها صامد ولديه قدرة كبيرة على النهوض والبناء. ما ينقص الناس هو الاستقرار. إن استقرت الأوضاع سيتمكن الناس من الزراعة والرعي وممارسة التجارة وغيرها من الأنشطة التي تدر لهم الأموال.
الطريق التجاري بين دارفور وليبيا مثلا كان نشطا جدا وكان الناس يسافرون إلى ليبيا لجلب البضائع ولكن توقف كل ذلك بسبب عدم الاستقرار سواء في ليبيا أو دارفور. كذلك التجارة بين تشاد ودارفور ودارفور وأفريقيا الوسطى. لو استقرت الأوضاع سيتمكن الناس من النهوض مجددا كما ذكرت.

أخبار الأمم المتحدة: ما الذي تطلبه وتتمناه في ختام هذا الحوار؟

عبد المنعم مكي: ونحن على مشارف عام جديد أتمنى الصحة للجميع وأن يتعافى العالم من آثار هذه الجائحة الصحية.
تمنياتي أيضا أن تعود الحياة إلى طبيعتها في دارفور وأن يتعايش الناس كما كانوا بسلام وتآخ وأن يتمكن النازحون واللاجئون من العودة إلى ديارهم بكرامة وأن تتحقق لهم العدالة. كما تعلمين هناك ملايين اللاجئين والنازحين المشردين في مخيمات اللجوء والنزوح في السودان وخارج السودان في تشاد وجنوب السودان وغيرها من الدول.
هؤلاء الناس عانوا بما فيه الكفاية وقد حان الوقت لكي تتحقق لهم العدالة بعد سنين من الحرمان والعذاب والقهر.

تعليقات فيسبوك